حافلة و "آمال"


للكاتبة ريم مجاهد
ترجمة أنجيلا حداد

الفصل الأول

ليل وخوف

مرت نسمة، لم تكن بالقوة التي يمكنها أن تحرك لثامها، لكنها أحستها على أجفانها، فأسبلتهما امتنانا للحظة التي تشكلت خارج سياق ما كانت فيه، حيث تقف متوترة ومتأهبة في ناصية الشارع بجانب عمود نور مطفأ، الساعة تقترب من السابعة، ليس بالوقت المتأخر في عالم ما، لكنه بالنسبة لها ومثل كل ليلة كان متأخرا، وكان باعثا على الضيق.

تقترب أضواء المركبات في الشارع المظلم، ولا تستطيع تمييز إن كانت سيارة أم حافلة، لكنها تمد يدها على أية حال، تقف أحيانا سيارات أجرة فتهز لها رأسها نافية، يقولون شيئا ثم يرحلون، وتقف سيارات خاصة يقولوا شيئا بذيئا ثم يرحلون، وتمرّ حافلات مسرعة لا تراها أو تراها وتتجاهلها لأنها ممتلئة.

تواصل الأضواء اختراقها ولا نتيجة بعد عشر دقائق انتظار.

لا تستطيع تحمل كلفة سيارة أجرة، وليس لديها من يوصلها، وتخشى المشي في الشوارع المظلمة، كانت الكهرباء مطفأة في كل مكان، ولا أُنس تبعثه النوافذ المسدلة ستائرها، كما أن الشارع خال من المحال التجارية التي تعطي الشوارع حياتها.

الأوتشا: "ما يقارب من 90% من النساء يواجهن التحرش الجنسي في الشارع."

 الفصل الثاني

الحافلة الآمنة

في ذلك الخواء لوحدها، تعرف أن الحافلة لا بد قادمة، يحدث هذا دوما، في النهار وفي الليل، لكن ذلك القلق الممض لا يتغير، وتعرف أن بانتظارها قلق آخر وخوف آخر في الحافلة ومتحرشيها دائمي التواجد.

يختلط سواد عبائتها بالليل، وتخشى ألا تراها الحافلات القادمة، فتبقي ذراعها المتعبة ممدودة نحو الشارع، أخيرا ومن حسن حظها أنها الليلة لم تنتظر لأكثر من ربع ساعة: أخيرا توقفت الحافلة، بعيدا قليلا عنها، تهرع الفتاة تجاهها، و ينادي عليها صوت أنثوي من الأمام:

تعالي هنا!

ارتبكت ولم تستطع تمييز مصدر الصوت، تعثرت قبل أن ترشدها امرأة من الداخل، ناصحة إياها بالتقدم إلى المقعد الأول بجانب السائق، ظنت أنها مزحة أو محاولة اختطاف، تعثرت مرة أخرى قبل أن يعاود الصوت الأنثوي القوي أمرها بالتقدم، وهنا أدركت أنه بالفعل قادم من مقعد السائق، تعثرت لمرة ثالثة لكنها هذه المرة تقدمت وانتهت جالسة في المقعد المجاور للسائق فاغرة عينيها كما حواسها: تنظر بدهشة لامرأة بدون لثام، تبدو في أضواء الحافلة الباهتة شابة لكنها ليست شابة، قوية لكنها لطيفة، تدور ابتسامة ساخرة في وجهها لكن عينيها تنبضان بالتأهب والقلق، كانت المرأة تشق بالحافلة طريقا مظلما، البقاء فيه للأقوى والأسرع والأكثر انتباها في شوارع بدون رقيب: لا أمن ولا إشارات.

تسألها دون أن تلتفت إليها: ما اسمك يا حلوة؟

تجيبها دون تردد: آمال

تصلح السائقة نظارتها قبل أن تثبت عينيها على المرآة الأمامية لتتأكد مما يجري في الخلف، إذ بدأ شجار بين الرجلين الجالسين في الخلف والنسوة اللواتي أمامهم،  خفضت أكثر صوت المذياع، كان الرجلان يقولا كلاما بذيئا ويسخران من النسوة اللواتي يتهمنهم بأنهم قد مدوا أيديهم بين فتحات المقاعد لتلمس ظهورهن، انتظرت آمال قلقة متوجسة ما سيحدث، فكرت أن السائقة لا يمكنها فعل شيء في مثل هكذا موقف، سيلتهمانها الرجلان حية.

"من بين جميع حوادث العنف القائم على النوع الاجتماعي المبلغ عنها في العام 2018 ما يقرب من نصفها (46%) كانت اعتداء جسدي."

صندوق الأمم المتحدة للسكان

لكن ما حدث كان عكس هواجسها.

زعقت السائقة بصوت واضح بالرجلين، أنذرتهما بأنها سترميهما من الحافلة، سخرا منها، طلبت من آمال أن تلتقط لهم صورة بهاتفها، فعلت دون تردد، وحين كان الرجلان يعترضان ويهددان، أوقفت السائقة الحافلة وطلبت منهما الترجل، ما لم فستطلب من كل النسوة أن يصرخن طلبا للنجدة، وأضافت أنها ستحتجزهما وتدع الشارع يصفي حسابه مع متحرشين مثلهما، تردد الرجلان وواصلا قول أشياء غير مترابطة، زعقت مرة أخرى وهددت ببدء الصراخ، أطاعها الرجلين مع مزيد من الشتائم لكنها لم تبال بل طلبت الأجرة ما لم ستنشر صورهما في كل مكان في المدينة، وكان لها ما أرادت.

ضحكت آمال قبل الجميع، واستمرت بالضحك، كانت تحس بانتصار وجذل، ولأول مرة تحس بأمان بينما هي في الحافلة.

 الفصل الثالث

التوقعات المجتمعية

ترجل الرجلان من الحافلة، وقبل أن تستعد للذهاب، قفز من الظلام رجل آخر وصعد إلى الحافلة، ضغطت على دواسة الوقود بقوة، كانت تلعن جنس ما أسمتهم "بأشباه رجال"، ثم وجهت كلاما لاذعا للرجل الذي صعد أخيرا والذي لم يصدق بعد أن سيدة تقود الحافلة، كان يحاور النسوة الأخريات، ويعود ليسأل السائقة إن كان هناك رجال في عائلتها وكيف سمحوا لها أن تفعل ذلك؟ 

تجاهلته في البداية لكنها عند إلحاحه ردت عليه:
أولا يجب أن تعرف أني طردت قبلك رجلين من الحافلة، لذا لا تعتقد أنك ديك في هذا المكان، تأدب وكن رجلا! ثانيا نعم لدي رجال في عائلتي، لكنهم مسؤولون عن أنفسهم وعائلتهم وأنا مسؤولة عن نفسي وعائلتي، أبي ميت وإخوتي في حالة يرثى لها بسبب الحرب، أما زوجي فلم يعد يعمل منذ زمن طويل، ولم يتركني أعمل، ولدينا أربعة أطفال، هل أتركهم يموتون؟ هل يجب أن يعانوا فقط لأن أبيهم والمجتمع يرفضون أن تعمل أمهم؟ طلقت الأب والآن أحارب المجتمع، ومع هذا فأنا راضية، هل تعرف لماذا؟ لأن أولادي شبعى ويذهبون لمدارسهم.

لكن لماذا سائقة؟ لماذا لا تعملين كوافيرة؟ سألها بسذاجة فضربت إحدى النساء جبهتها بنفاذ صبر

"قد خُلص تقرير من العربي إلى أن 8 مليون يمني قد فقدوا مصدر دخلهم منذ بداية الأزمة، من بينهم 4 مليون يعملون بأجر، 3 مليون يعملون بأجر يومي و 1 مليون يحصلون على أجر شهري."

البنك الدولي

لأن هذا ما أجيده وأحبه، قدت سيارة أبي طوال حياتي، وعرفت كل أجزاءها، وعرضت الفكرة على زوجي بأن يعمل سائقا لكنه رفض، لذا ما العمل؟ بعت كل ما أملك واستدنت من كل الناس ولجأت إلى البنوك بحثا عن قرض، وهأنذا، سأعود إلى أطفالي وبيتي وعائلتي الكبيرة ولدي ما يمنعهم من الموت جوعا، هل لديك اعتراض؟ توجهت بالسؤال إلى الرجل الذي هز رأسه نافيا.

"وفق  مسح القوى العاملة في الجمهورية اليمنية 2013-2014، فإن 6% من النساء فقط أسهمن في القوى العاملة."

الفصل الرابع

الإصرار على الرغم من العقبات

توالت الأسئلة على المرأة، وباستثناء آمال الجالسة بجانبها، أدلى الجميع بدلوه: أسئلة وتعليقات، تبريرات وأحكام، واستمرت المرأة في الحديث، دون أن تتشتت، حيث لم تغفل مراقبة الركاب، وطلبت من المرأة خلفها أن تجمع أجرة كل من يصعد فور صعوده.

كانت آمال مسحورة بوجه المرأة وصوت المرأة وحكاية المرأة، ظلت تراقبها تتحدث، وتتأمل في تغير تقاطيع وجهها عند كل منحنى من القصة، فحين كانت تتحدث عن الفترة التي كان الزوج فيها عاطلا وعنيفا، وكيف كان يتهجم عليها مع أطفالها، كان وجهها ينكمش بألم، وتعبر الغيوم عينيها، لكن عادت العينان للمعان بسرعة حين تحدثت عن كيف بدأت الفكرة تختمر في رأسها، وكيف أنها درست الموضوع من كل زاوية ولم تجد غير تلك مهنة يمكنها احترافها، ومرة أخرى عادت لتسأل إن كان الأكثر راحة هو مشاهدة أطفال شبعى أم مشاهدة أناس لا تعرفهم راضين عنك؟ وعاد وجهها للانكماش وتهدج صوتها مرات عدة حين تحدثت عن كم الصعوبات التي واجهتها، عن أهلها الذين لم يدعموها، عن زوجها الذي ظل يهددها بالطلاق حتى طلقها أخيرا وحاول انتزاع أطفالها منها، عن الرفض الذي تلقته حين كانت تلجأ طلبا للمساعدة، عن الاستخفاف بها كامرأة، عن محاولات استغلالها وخداعها، ومرات وأنواع التحرش الذي تعرض له، عن ليالي القلق والخوف ونهارات السعي والنضال وعن مرات اليأس والاستسلام.

"في ديسمبر 2018 واجه ما يقارب من 20.1 مليون شخص انعدام أمن غذائي خطير وحاد، منهم حوالي 5 ملايين شخص واجهوا المجاعة أو ظروفاً شبيهة بها."

البنك الدولي

امتلأت عينا الفتاة بالدموع، لكن قبل أن تترقرق تلك الدمعات، عاد وجه المرأة إلى الإشراق، حدثتهم عن الحصاد: من جدّ وجد، قالت، وأردفت أن الصعاب مازالت في طريقها وكل يوم بل كل مرة تقود فيها الحافلة، فهناك الرجال العنيفين والمتحرشين والأوغاد، هناك الذين يفرون قبل دفع الأجرة، ثم هناك محطات الوقود بعامليها من الرجال والذين -أيضا- لا يستطيعون إلا أن يكونوا عقبة أخرى، هناك التهديد وهناك محاولات الإستغلال، ومع هذا، فهي هنا، وهذه ليلتها الثلاثين كسائقة: لا أعود فاضية الوفاض ولا أنكسر! 

الفصل الخامس

حافلة الإلهام

ضحكت حين أنهت حكايتها ثم قالت: أنا لا أتلو حكايتي في كل مرة بهذا التفصيل، لكنكم أيها الشعب تسألون كثيرا.

بادلها الجميع الضحك، إلا آمال التي قاطعتهم بأن بدأت التصفيق دون أن تقول شيئا، وتلاها الرجل الثاني الذي صعد إلى الحافلة حين كانت السائقة تتحدث عن الصعوبات التي واجهتها، ثم الحافلة بأكملها باستثناء الرجل الأول، ومثلما يحدث في القصص، انعكست من على حكاية السائقة حيوات وقصص الآخرين، ورأى فيها الجميع أنفسهم وأحلامهم.

تحدث الرجل الثاني عن والدته التي كانت تعمل في البناء في القرية وكيف أنها كانت تصلح كل ثقوب السطوح والسلالم لكل العائلات الأخرى ولاقت من الرفض والاستهجان الكثير حتى أصبح الجميع بحاجة إليها.

شجع الرجل السائقة بكلمات ودية ثم ناول الأجرة للمرأة المسؤولة وقفز خارجا, و قالت سيدة أن أخيها منعها من مزاولة مهنة التجميل بتهمة أنها عار، رغم أنهم فقراء وقد تمضي أسابيع دون أن يجد ذاك الأخ نفسه أي عمل، وقالت أخرى أنها كانت تساعد أبيها في النجارة في فترة صباها، وحين كبرت منعت حتى من زيارة الورشة، وهو الأمر الوحيد الذي تحلم بأن تفعله،

"وفقاً لمنظمة العمل الدولية فإن المجتمع اليمني قد حدد مسبقاً "وظائف نسائية" للمرأة اليمنية والتي تضطرهن إلى تولي مهن ضمن هذه الأدوار مثل المعلمات، والممرضات والسكرتيرات."

منظمة العمل الدولية

أما آمال، فقد تحدثت بصوت خفيض أنها تعمل في سكرتارية إحدى الشركات لكنها درست الإعلام وأرادت أن تكون مذيعة، لكن عندما حصلت على فرصة العمل، أجبرها أهلها على رفضها، شجعنها السيدات، وشجعن بعضهن البعض وبقي الرجل الأول بينهن كطائر شؤم، كان يعترض ويجد مبررا لعدم جدوى طموح كل واحدة فيهن.

الفصل السادس

 مصير جديد

تدخلت الفتاة وسط فوضى الاعتراضات والتشجيع، تخبر السائقة أن بيتها غير بعيد من الحارة المقبلة، وضعت لها أجرة الركوب في حضنها، فتناولتها السائقة ودستها في صرة صغيرة بلونين أخضر وأحمر غامق. وحين وصلت الحافلة إلى الحارة حيث تسكن آمال، وقبل أن تترجل قالت لها السائقة:

أريد أن أسمعك في الإذاعة قريبا.

خطت آمال بعيدا عن الحافلة التي ظلت لثوان تضيء للفتاة طريقها، وحين تحركت، تأملت آمال فيها: 

كانت حافلة باللون الأبيض يقطعها شريط أصفر، لديها أربعة صفوف من الكراسي بالإضافة إلى صف السائق، رقم اللوحة هو 13333. أعادت الرقم في مخيلتها مرارا بينما تخطو إلى الداخل.

روحها منتعشة وإصرارها فتيّ، وابتسامة ما تفتأ ترتسم على شفاهها، أدركت أن شيئا ما قد أنار في أعماقها، وأنه لن ينطفئ، ردت على دعوة أمها لتناول العشاء بأنها ستأتي فورا، كانت منشغلة بكتابة إيميل لذات الإذاعة التي اجتازت مقابلاتها قبل أشهر:

أنا متاحة حاليا وأستطيع إعادة المقابلات والبدء منذ الغد

رٌسمت هذه القصة من قبل نور جهاد، وقد تم تطويرها من قبل آمال عبدالله و أحمد الهجري وتم تصميمها من قبل Data4Change. هذا المشروع ما كان ليكون ممكناً لولا الدعم السخي من قبل:  

Federal Foreign Office