ناجية

وجدي الأهدل

لقد نصحتها ألَّا تذهب إلى هناك.

لحسن حظ ناجية أنها تعمل في المبنى الإداري- قسم الحسابات، البعيد نسبياً عن الهناجر التي ضُربتْ بالقنابل واشتعلت النيران فيها.

كان صباحاً قارس البرودة، نجا جسدها فلم تصب حتى بخدش واحد، ولكن روحها تأذتْ، وأصيبتْ بعقدة نفسية محرجة تتناقض كلياً مع مظهرها كامرأة شجاعة وقوية الشخصية.. غدتْ إذا سمعتْ أصوات انفجارات أو فرقعة ألعاب نارية أو قَعْقَعة الرعد، ترتمي على الأرض وتختبئ تحت طاولة أو كرسي أو تتكور على نفسها في زاوية وهي تذرف دموعاً غزيرة.

في تلك البرهة التي تعصف بها الذكرى، يتهيأ لها أنها جثة متفحمة، وقد تشوهتْ ملامح وجهها وذاب جلدها وشعرها، ولاشيء يدل على هويتها.. وتفغم أنفها رائحة اللحم البشري المشوي، وترى نفسها قد انتقلت إلى هناك، بين الأنقاض والجثث، فتعيش من جديد رعب تلك اللحظات التي يتجمد عندها الزمن ويكف عن الحياة.

لأنها عنيدة ولم تستمع إليّ، فقد رأت ما لا يمكن لعقل بشري أن يتحمله، وأما الألم الذي أحست به فلا تكفي عشرة أعمار لمحوه.

ناجية متوسطة القامة، حسناء ذات قوام ممشوق، في ربيعها الرابع والعشرين، بشرتها بلون أشعة الشمس في أول إشراقها، عيناها نجلاوان، شعرها مجعد تستخدم مصفف الشعر لتنعيمه، في يدها اليمين شامتان متقاربتان، الأولى في المعصم والثانية في ظاهر الكف.

إنها زميلتي في المكتب، ولكنها أقدم مني. في أول يوم عمل لي صدمتني بجرأتها: خلعتْ النقاب فظهر وجهها مدوراً ونضراً وندياً، ثم أثارت ارتباكي عندما أبعدتْ حجابها وانهمر شعرها مهفهفاً على وجهها.

ناجية متزوجة من موظف يعمل في فندق خمس نجوم، وقد اتفقا على عدم الإنجاب إلى حين امتلاكهما بيتاً.

توفي والدها وعمرها عشر سنوات، وعملتْ منذ صباها الباكر في مهن مؤقتة إلى جانب دراستها، وبعد الثانوية درستْ في كلية التجارة والاقتصاد، وتخرجتْ بتقدير عالٍ يؤهلها لمواصلة تحصيلها العلمي، ولكنها اقتنصتْ أول وظيفة لاحتْ لها.

حينما وقع بصرها عليّ لأول مرة، اتجهتْ نحوي وسألتني إن كنت الموظف الجديد، فأكدتُ لها ذلك، فأمالت رأسها إلى الجانب، وتفحصتني بنظر ثاقب، وكأنها تتفحص فستان سهرة في فاترينة، ثم زوتْ فمها الجميل التكوين ومضتْ إلى مكتبها مثل زبونة نيّقة يصعب إرضاء ذوقها.

شخصيتها قلقة متوترة، ربما بسبب تحملها مسئوليات جسيمة في سن مبكرة، فكانت تخربش أشكالاً عشوائية على أية ورقة تقع تحت يدها، حتى الأكواب الورقية لا تسلم من خربشاتها.
في آخر يوم من ديسمبر 2015 أغلق الفندق الفخم أبوابه، وفقد نعمان زوجها وظيفته.

وفي مطلع العام التالي قصفت الطائرات المصنع الذي تعمل فيه ناجية، وخسرت هي الأخرى مصدر دخلها.

***

عندما فاتح نعمان والده برغبته في الانتقال إلى منزل العائلة في تعز -لعجزه عن سداد إيجار شقته في صنعاء- فقد خيَّب أمله حين نصحه بالنزوح إلى الريف، وصرف النظر عن فكرة الاستقرار في مدينة تعز.

يقع بيت عائلة نعمان في حي الحَصِبْ الذي كان مسرحاً للاشتباكات بكافة أنواع الأسلحة، وبعد معارك ضارية انسحب الحوثيون والقوات المتحالفة معهم من الحي، ولكنهم زرعوا خلفهم ألغاماً مضادة للأفراد والمركبات.

عندما اندلعت الاشتباكات في أوائل عام 2015 غادر الحي جميع سكانه، ونزح والدا نعمان إلى مسقط رأسهما في الريف وهما يحملان حقيبة واحدة، وبعد عودة الهدوء إلى الحي لم يجرؤ السكان على العودة إلى منازلهم خوفاً من الألغام.

سافر الزوجان إلى مدينة تعز لتفقد المنزل المهجور وتنظيفه والمكوث فيه لعدة أيام. كان نعمان قد اتفق مع والده أن يرسل مفاتيح البيت إلى عمه مهيوب.

وصلا عصراً إلى الصيدلية التي يملكها العم مهيوب في حي الأشرفية، ولم يتوقعا النكث بالوعد: لم يرسل والد نعمان مفاتيح البيت ولكن أرسل ظرفاً فيه رسالة. فض نعمان الظرف وقرأ الرسالة، فإذا هو يأمره أن يلحق به إلى القرية التي تبعد عن المدينة مسافة ثلاث ساعات بالسيارة، وأرفق مبلغاً يغطي تكاليف السفر.

استشاط نعمان غضباً ومزق الرسالة ورمى النقود على الأرض، وقال لعمه إنه سيذهب إلى البيت، وسيتدبر أموره بدون حاجة للمفاتيح.

أوقف نعمان سيارة أجرة، وبعد مساومات مضنية وافق السائق على توصيلهما إلى حي الحصب.

دققت ناجية في ملامح السائق، بدا لها وسيماً لولا ثؤلول بحجم أُنْمُلة الأصبع يجثم على ذقنه من جهة اليمين، وخطر ببالها أن الألغام مُعدية تنتقل إلى الوجوه!

ساعدهما العم مهيوب في تحميل أمتعتهما وأصر على مرافقتهما. فكر أنه سيتمكن من التأثير عليهما وثنيهما عن قراراهما، حينما يلمسان بنفسيهما استحالة العيش في حي خالٍ من السكان تطوقه الأخطار من كل الاتجاهات.

أوقفوهم في نقطة تفتيش، كانت وجهتهم مريبة، ولكن لهجة نعمان التعزية ساعدتهم على العبور بسلام.

قال العم مهيوب وهو يحدج ناجية بنظرة نحات يبحث عن موضع ملائم لمطرقته في جلمود رخام إن العسكر لو سمعوا لهجتها الصنعانية لمنعوهم من المرور!

ضحكتْ ناجية ضحكة عصبية وشعرت بغصة في حلقها.

قاد السائق ببطء ملتزماً السير في وسط الخط الإسفلتي لا يحيد عنه، وقد بدأ الضباب يتكاثف بالتدريج.

مروا بسيارة محترقة لم يبق منها سوى هيكلها الحديدي، أخبرهم وهو يتطيَّر من الإشارة إليها إنها تعود لصديقه الذي كان يعمل سائق تاكسي، قال إنه خرج بضعة سنتيمترات عن الإسفلت فانفجر فيه لغم مضاد للمركبات، فلقي مصرعه هو ومن معه من الركاب.

مروا بدبابة مقلوبة على ظهرها وبمدرعات أكلتها النيران. واجهات المباني بدت كوجوه المجدورين حفر فيها الرصاص أخاديد، النوافذ محطمة، ولا أثر لإنسان يمشي في الشارع أو يطل من باب ما، وكان الصمت الشامل موحشاً ومرعباً.

كلما توغلوا في الحي كانت تعترضهم كلاب شرسة، تنبح وتكاد تنقض عليهم، فأغلقوا نوافذ السيارة.

حذرهم السائق من الكلاب في هذا الحي، لأنها برأيه استطابت التهام اللحم البشري.. قال إن جثث المتقاتلين ظلتْ لأسابيع مرمية في الشوارع، ولم يجرؤ أحد على انتشالها خوفاً من القناصة والألغام.

لم تكن الدماء مرئية، ولكن رائحتها المثيرة للاشمئزاز كانت تُشم في الهواء، والندى متشبع بلزوجتها وكأنها أُريقت للتو.

***

في السنوات الأخيرة ، قامت مليشيات الحوثي بتلويث اليمن بأكثر من مليون لغم أرضي وعبوة ناسفة. على عكس الأسلحة الأخرى في هذا الصراع ، توجد الألغام الأرضية بشكل متزايد في المناطق المدنية. وهي مزروعة في مناطق سكنية ، حول المدارس ، والمستشفيات ، في الطرق التي تمر فيها المساعدات الإنسانية، والأراضي الزراعية ، والآبار.

تهدد أسلحة الإرهاب هذه حياة جميع الرجال والنساء والأطفال اليمنيين ، حيث تسببت في وقوع ما يقرب من 9118 ضحية بنهاية عام 2017 وفقًا لخبراء ومراقبي إزالة الألغام في اليمن.

اليمن: ألغام الحوثي الأرضية تقتل مدنيين وتمنع وصول المساعدات - اليمن.ضحايا اليمن: مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية

انعطفتْ السيارة إلى شارع خلفي ووقفتْ أمام بيت مكون من طابقين، قديم ولكنه واسع وفيه نفحة من عراقة.

كان باب البيت مغلقاً. أنزل نعمان وناجية أمتعتهما وهما يثرثران بحماسة، واستغل العم مهيوب الفرصة ودفع حساب المشوار، وعندما أراد السائق المغادرة أغراه بأجرة مضاعفة إذا انتظره لبعض الوقت ريثما يودع قريبيه ثم يُقله إلى الأشرفية، تردد السائق في البداية ثم وافق على مضض.

قال نعمان إنه سيدور حول البيت لينظر نافذة مناسبة يكسرها ويدخل منها. استعار العم مهيوب هراوة من السائق وناولها لابن أخيه، ثم سلكا الزقاق المؤدي إلى الجهة الخلفية.

قعدتْ ناجية على الحقائب واتصلت بأمها في صنعاء لتطمئنها. وما كادتا تتبادلان التحيات حتى دوى صوت انفجار تردد صداه بقوة في الحي المهجور. سقط الهاتف من يد ناجية وارتمتْ على الأرض واحتمت بالحقائب. ثم سمعت نواح العم مهيوب الذي بدا لها مخيفاً أكثر من صوت الانفجار.

فتح السائق باب سيارته وأطل واقفاً ينظر إلى الزقاق الذي تنبعث منه صيحات الاستغاثة فاغراً فاه.

انقبض قلب ناجية وأدركتْ أن شيئاً مهولاً قد حدث، وتغلب حبها لزوجها على الفوبيا التي تعاني منها، وركضت إلى الزقاق للّحاق بهما. صاح السائق في إثرها: "لا تروحيش.. ألغام.. ارجعي".

في تلك اللحظة لم تكن تسمع سوى نداءات الاستغاثة التي زلزلت كيانها، عبرت الزقاق الجانبي وانعطفت إلى الزقاق الخلفي، وأبصرت زوجها ساقطاً على الأرض مضرجاً بدمائه بلا حراك، والعم مهيوب يرفعه ويحضنه منتحباً وصراخه يمزق أجنحة الملائكة.

تقدمتْ ثلاث خطوات ثم سمعتْ صوت انفجار قوي للغاية أصم سمعها، وتطاير الغبار من حولها حتى حجب عنها الرؤية تماماً، وبدون تفكير استدارت وجرت عائدة من حيث أتت، شعرت وكأنها تهرول في خندق.. الحوائط صارت أكثر ارتفاعاً، ورأت الأرض قريبة منها، أو كأن قامتها قَصُرتْ فجأة..

حين رآها السائق ظهر تعبير مفزع على وجهه، لكنها لم تكن تحس بشيء مطلقاً، واندستْ بخفة في الزاوية التي صنعتها كومة الحقائب الملاصقة لحائط البيت.

دنا السائق منها وقد عقدتْ المصيبة لسانه، وانتبهتْ أن نظراته مركزة على قدمها اليمنى، فنظرتْ إلى حيث ينظر فإذا قدمها إلى منتصف الساق لم تعد موجودة، والدماء تنزف منها مثل حنفية مفتوحة، وفي ثانية واحدة غابت عن الوعي.

أُسعف الزوجان إلى مستشفى الثورة، كانا محظوظين بوجود سائق التاكسي والعم مهيوب، وإلا لكانا نزفا حتى الموت.

استؤصلتْ الرجل اليمنى لناجية إلى منتصف فخذها، وبعد أن استعادت عافيتها تمكنت من المشي على عكاز. وأما زوجها نعمان فقد خرج من المستشفى على كرسي متحرك، وقد بُترتْ ساقاه من تحت الركبة، وفقد بصره، وأثقلت لسانه تأتأة في النطق.

***

في تعز وحدها ، قتلت الألغام الأرضية 268 وجرحت 214 بين أبريل 2015 ومارس 2017.

ضحايا اليمن: مرصد الألغام الأرضية والذخائر العنقودية

في المستشفى وقع حادث غرب لم يبارح ذاكرة ناجية:

وهي ممددة على السرير، والساعة تشير إلى العاشرة والثلث صباحاً، رأت قطة سوداء تختبئ تحت سريرها، وأخذت تموء بشدة وكأن أحدهم قد انتزع منها صغارها.

أرادت أم ناجية طردها فلم تفلح سوى في إسكاتها، وعلقت إنها خائفة من شيء ما. بعد عشر دقائق عادت القطة للمواء الحزين الممطوط، فتداعت ذكريات قصف المصنع في بال ناجية، فاستندت على الجدار ومشت إلى النافذة وأخرجتْ رأسها تتلفتُ ذات اليمين وذات الشمال، وبعد ثوانٍ سقطت قذيفة مدفعية على مبنى مجاور للمستشفى، وشاهدت اهتزاز زجاج النوافذ وهو يرجع للخلف ثم يرتد للأمام، وصوتها الإيقاعي الموحد يشبه رنين تصادم الكريستالات.

سارعت الأم بإبعادها عن النافذة وأجلستها على السرير، ثم رأت القطة السوداء تخرج من تحت السرير وتغادر الحجرة. أدركتْ حينها أنها قد شُفيتْ من فوبيا الأصوات العالية الشدة.

ضعف قطاع الصحة النفسية، نقص الموارد، ووصمة العار التي تحيط الموضوع، تؤرق ضحايا الحرب. ففد تعرض عدد كبير من اليمنيين بشكل مباشر وغير مباشر لأذى وصدمات نفسية، وتقول الاحصائيات ان النساء ما زلن الفئة الأكثر إهمالًا واستبعادًا للحصول على المساعدات.

بينما يوجد حاليًا نقص في البيانات حول الحالة العامة للصحة النفسية في اليمن ، تشير المعلومات المتاحة إلى أن العديد من السكان يعانون على الأرجح من عواقب نفسية واجتماعية وعاطفية سلبية.

أثر الحرب على الصحة النفسية في اليمن: أزمة مهملة (2019, يوليو 24) مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.
الخبراء| إن هناك مخاطر جسيمة من أزمة الصحة النفسية في اليمن  (2019, يوليو 24) مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية

تفكرتْ ناجية مطولاً في القطة السوداء كيف تنبأتْ بالقذيفة قبل عشر دقائق من سقوطها، وتمنت لو أنها تحوز هذه الحاسة.. إذ لربما تمكنت من إنقاذ الكثير من الأرواح.

في قرية عائلة زوجها، تعلمتْ صنع الجبن التعزي وخياطة مفارش الطعام، وبدا أن حياتها قد استقرت.

هناك تمكنت منها عادة جديدة: أمست تستيقظ في منتصف الليل، فتأخذ عكازها وتخرج في جولة طويلة بين الحقول، ولا تعود إلى فراشها إلا قرب الفجر.

في إحدى الليالي قصدت مرتفعاً صخرياً فيه تجاويف أفقية ضيقة لا يقدر إنسان على بلوغها ولا دخولها، فاتخذتها الضباع موئلاً لها.

قعدت تحت تلك الكهوف غير مبالية بتعريض حياتها للخطر، وراحت تحدق في جمال النجوم وبهاء البدر المكتمل.

استعرضت حياتها وقررت أنها قد اكتفت! بدا المستقبل حالكاً لن يحمل لها أيّ خير، وكل أحلامها وطموحاتها تضاءلت إلى مجرد كسب القوت اليومي.. لقد رمت بها الأقدار إلى الحضيض، ولم يعد في أفقها أيّ بصيص للأمل.. لم تكن في الأصل متدينة، ولكنها بعد الحادثة سعت إلى ترميم روحها بالصوم والصلاة.. لأن ظلاً من الأفكار السوداوية ما فتئ يهاجم عقلها في صبحها والمساء.

قطعت عليها حبل تأملاتها تلك الرائحة الحيوانية المميزة التي شمتها بوضوح.. لم تخف، جالت ببصرها ورأته متوارياً خلف شجرة طلح، حين حدقتْ في عينيه اعترتها رعدة وكادت تصرخ، لكنها أشاحتْ ببصرها عنه وكتمت صرختها.

أغمضتْ عينيها وقررت أن تستسلم له، أن تشبع جوعه، لعل وعسى يكون لجسدها فائدة ما.

حام الضبع حولها مزمجراً، ثم دنا منها بشدة وخَفْخَفة حادة تنبعث من حلقه.. شعرت بأنفاسه الكريهة تتندى على صفحة وجهها، كاد يغمى عليها من شدة الخوف.. ثم عم الهدوء فجأة.. فتحت عينيها ظناً أنه قد رحل، التفتت جهة اليمين فرأته باركاً على بعد مترين منها وبصره مثبت عليها، وشعرت أنه يحثها أن تتكلم.. فضفضتْ له عن كل خلجات روحها، عن كراهيتها لنفسها، عن مبلغ يأسها وإحباطها، عن قدرها الذي تغيَّر في لمح البصر ولم يعد بالإمكان رده إلى الوراء، عن أحلامها التي تهاوت وصارت أطلالاً مندثرة، عن شبابها الذي سيذوي دون أن تتاح له فرصة التفتح، عن الظل الأسود الذي يطاردها ويطلب منها التفريط في حياتها.

ظلت تتكلم وتتكلم دون ترابط والعبرات تسيل على وجنتيها، ولم تدرِ متى غفت.

شهقتْ عندما شق السكون صوت مؤذن القرية وهو يؤذن لصلاة الفجر. تلملمتْ على نفسها مستشعرة برودة الجو، رنت إلى البدر البالغ الضخامة الذي يوشك أن يترجل ليحط خلف الأفق الغربي.

تذكرت الضبع فالتفتت إلى اليمين، ورأت زوجها من دون كرسيه المتحرك على بعد مترين منها، قابعاً في مكان الضبع، وعيناه مفتوحتان وقد فارق الحياة.

***

لقد مرت السنوات سريعاً، وأنجبت ناجية حمدي وسدرة، ثم تلاهما التوأمان فارس ويزن، واشترينا منزلاً جميلاً في ضاحية هادئة من ضواحي صنعاء.

لقد حصلت على رجل صناعية مكنتها من القيام بواجباتها الأمومية على خير وجه.

قمنا بحملة تبرعات وافتتحنا داراً للمعاقين، وانشغلت ناجية بتوزيع وقتها ما بين العناية بأطفالنا ورعاية المعاقين في الدار.

رغم اعتراضي، جلبت قطة سوداء صغيرة عمرها بضعة أيام كانت مرمية بجوار حاوية القمامة، واعتنت بها حتى أصبحت حيواننا الأليف المدلل.

هي الآن فخورة بأسرتها وبعملها، وأما تلك الأفكار الانتحارية فقد باتت تنتمي للماضي، أحياناً تستعيدها وهي تتنهد بارتياح لأن السعادة التي ظنتها مستحيلة قد طرقت بابها.

ماذا حدث في تلك الساعة التي غفت فيها والضبع يسامرها؟ هل تفاوض أحدهم مع ملاك الموت واهباً روحه مقابل روحها؟ لديّ حدس شبيه بحدس القطط، أن نعمان الذي أتاح لي القدر رؤيته لمرة واحدة قد فعلها.

***

صممت هذه القصة من قبل أحمد الهجري، وقد تم تطويرها من قبل آزال السلفي وأحمد الهجري وتم برمجتها من قبل Data4Change. هذا المشروع ما كان ليكون ممكناً لولا الدعم السخي من قبل: